محمد بن جرير الطبري
60
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بالله يعدلون الأوثان والأصنام ، فيجعلونها له عدلا ، ويتخذونها له ندا يعبدونها من دونه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا يقول : قل أروني الذين يشهدون أن الله حرم هذا مما حرمت العرب ، وقالوا : أمرنا الله به . قال الله لرسوله : فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا قال : البحائر والسيب . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، الزاعمين أن الله حرم عليهم ما هم محرموه من حروثهم وأنعامهم ، على ما ذكرت لك في تنزيلي عليك : تعالوا أيها القوم أقرأ عليكم ما حرم ربكم حقا يقينا ، لا الباطل ، تخرصا كخرصكم على الله الكذب والفرية ظنا ، ولكن وحيا من الله أوحاه إلي ، وتنزيلا أنزله علي ، ألا تشركوا بالله شيئا من خلقه ولا تعدلوا به الأوثان والأصنام ولا تعبدوا شيئا سواه . وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يقول : وأوصى بالوالدين إحسانا . وحذف " أوصى " وأمر لدلالة الكلام عليه ومعرفة السامع بمعناه ، وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى من الكتاب . وأما " أن " في قوله : أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً فرفع ، لأن معنى الكلام : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ، هو أن لا تشركوا به شيئا . وإذا كان ذلك معناه ، كان في قوله : تُشْرِكُوا وجهان : الجزم بالنهي ، وتوجيه " لا " إلى معنى النهي . والنصب على توجيه الكلام إلى الخبر ، ونصب " تشركوا " ب " أن لا " كما يقال : أمرتك أن لا تقوم . وإن شئت جعلت " أن " في موضع نصب ردا على " ما " وبيانا عنها ، ويكون في قوله : تُشْرِكُوا أيضا من وجهي الإعراب نحو ما كان فيه منه ، و " أن " في موضع رفع ، ويكون تأويل الكلام حينئذ : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ، أتل أن لا تشركوا به شيئا . فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يكون قوله تُشْرِكُوا نصبا ب " أن لا " ، أم كيف يجوز توجيه قوله : " أن لا تشركوا به " ، على معنى الخبر ، وقد عطف عليه بقوله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ وما بعد ذلك من جزم النهي ؟ قيل : جاز ذلك كما قال تعالى ذكره : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ فجعل " أن أكون " خبرا و " أن " اسما ، ثم عطف عليه ، وكما قال الشاعر : حج وأوصى بسليمي الأعبدا * أن لا ترى ولا تكلم أحدا ولا يزال شرابها مبردا فجعل قوله " أن لا ترى " خبرا ، ثم عطف بالنهي ، فقال : " ولا تكلم " ، " ولا يزال " . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ يعني تعالى ذكره بقوله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ ولا تئدوا أولادكم فتقتلوهم من خشية الفقر على أنفسكم بنفقاتهم ، فإن الله هو رازقكم وإياهم ، ليس عليكم رزقهم ، فتخافوا بحياتهم على أنفسكم العجز عن أرزاقهم وأقواتهم . والإملاق : مصدر من قول القائل : أملقت من الزاد ، فأنا أملق إملاقا ، وذلك إذا فني زاده وذهب ماله وأفلس . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله